مركز الثقافة والمعارف القرآنية
434
علوم القرآن عند المفسرين
له . وقال : وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ « 1 » أي : ليس بقول كاذب . ولم يعن أن ذلك ليس بشعر فإن وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفى عنه . ولأجل شهرة الشعر بالكذب ، سمّى أصحاب البراهين الأقيسة المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية ، وما وقع في القرآن من ألفاظ متزنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالاتفاق وقد تكلم الناس فيه . وأما الإعجاز المتعلق بصرف الناس عن معارضته : فظاهر أيضا إذا اعتبر ، وذلك أنه ما من صناعة ولا فعلة من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة ، الا وبينها وبين قوم مناسبات خفية ، واتفاقات إلهية ، بدلالة أن الواحد « 2 » يؤثر حرفة من الحرف فينشرح « 3 » صدره بملابستها ، وتطيعه قواه في مزاولتها فيقبلها باتساع قلب ، ويتعاطاها بانشراح صدر . وقد تضمن ذلك قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً « 4 » ، وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » « 5 » . فلما رئي « 6 » أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة ألسنتهم ، وقد دعا اللّه جماعتهم إلى معارضة القرآن ، وعجزهم عن الاتيان بمثله ، وليس تهتز غرائزهم البتة « 7 » للتصدي لمعارضته لم يخف على ذي لب أن صارفا الهيا يصرفهم عن ذلك ، وأي إعجاز أعظم من أن تكون « 8 » كافة البلغاء مخيرة في الظاهر أن يعارضوه ، ومجبرة في الباطن عن ذلك . وما أليقهم بانشاد ما قال أبو تمام : فإن نك أهملنا فاضعف بسعينا * وإن نك أجبرنا ففيم نتعتع « 9 »
--> ( 1 ) سورة الحاقة : الآية 41 . ( 2 ) في نسخة : الواحد فالواحد . ( 3 ) في نسخة : لينشرح . ( 4 ) سورة المائدة : الآية 48 . ( 5 ) الحديث في البخاري : كتاب التفسير « تفسير سورة والليل إذا يغشى » ، وكتاب الجنائز : باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله ، وكتاب الأدب : باب الرجل ينكت الشيء بيده في الأرض ، وكتاب القدر : باب « وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، وكتاب التوحيد : باب قول اللّه تعالى : « ولقد يسرنا القرآن للذكر » . ورواه مسلم في القدر برقم ( 2647 ) وأبو داود برقم ( 4694 ) والترمذي برقم ( 2137 ) و ( 3341 ) . ( 6 ) في نسخة : روى . ( 7 ) في نسخة : لن . ( 8 ) في نسخة : يكون . ( 9 ) البيت في الديوان : ج 2 ص 325 - طبعة دار المعارف - وقد قال الخطيب التبريزي في شرحه : « يقول : ان خلينا والدنيا لينال كل منها بقدر طاقته وسعيه ، فما أضعف سعينا وأخلق بأن لا ننال منه شيئا . وان نك أجبرنا على ما نحن فيه من الغنى والفقر ، ففيم نهذي ونردد في الكلام ! ؟ « والتعتعة » : ترديد الكلام .